الشيخ محمد الصادقي

316

البلاغ في تفسير القرآن بالقرآن

65 - قالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ أنت عصاك قبلنا وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى بيننا كيدا في ذلك التخيير . 66 - قالَ بَلْ أَلْقُوا أنتم ما تلقون ، فتلغوا ما ألقيه ، فالقوا من فورهم فَإِذا حِبالُهُمْ جمع الحبل وَعِصِيُّهُمْ جمع العصى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ إذ لا يسيطر إلا على خيال أَنَّها تَسْعى وليست في الحق لتسعى . 67 - فَأَوْجَسَ كصوت خفي فِي نَفْسِهِ دون إظهار خِيفَةً قليلة ليست بالتي تأخذ زمام عقله مُوسى بالرغم مما سبق له من قلب عصاه حية تسعى وثعبانا مبينا . 68 - قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ لا هم الْأَعْلى مطلقا ، لأن بيدك الآية العظمى ، كما وقد سبق أنه خاف من آيته . 69 - وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ مرة ثالثة تَلْقَفْ ما صَنَعُوا بلعا لا رجوع له إِنَّما صَنَعُوا هو كَيْدُ ساحِرٍ مهما كانوا كثيرا وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ على آية ربانية حَيْثُ أَتى مهما كان بكيد جمعي هام ، وهنا نعرف أن آية " القرآن " غالب على كل سحر دونما استثناء . 70 - فَأُلْقِيَ دون أن يلقوا هم أنفسهم السَّحَرَةُ كلهم سُجَّداً للّه و قالُوا بكل قوة أمام الحشر الحاشد آمَنَّا نحن جمعا بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى وهو رب العالمين . 71 - في حينه قالَ فرعون لهم آمَنْتُمْ لَهُ بإلهه قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ تخيلا أن الإيمان بحاجة إلى إذن إِنَّهُ دون ريب لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ خفية عني ، ولذلك غلب سحره على سحركم ، ثم أخذ يهددهم فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ كأشد العذاب قبل القتل ، ثم وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ بعد ذلك التقطيع فِي جُذُوعِ النَّخْلِ لا عليها حتى تنجوا ببعضها ، بل تكون كلها صلبانا لكم ، ثم وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً أنتم حيث عذبتموني في هذه المباراة ، أم أنا حيث أفعل ما أفعل وَأَبْقى بعد العذاب . 72 - قالُوا بعد ذلك التهديد الشديد لَنْ مستحيلا نُؤْثِرَكَ تقديما عَلى ما جاءَنا مِنَ الآيات الْبَيِّناتِ قسما : وَالَّذِي فَطَرَنا خلقا لنا بفطرة التوحيد فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ علينا ف إِنَّما تَقْضِي هذِهِ الْحَياةَ الدُّنْيا قضاء حاسرا عن الأخرى . وهي أحرى وأبقى . 73 - إِنَّا متأكدين آمَنَّا بِرَبِّنا الذي فطرنا لِيَغْفِرَ لَنا خَطايانا من فرعنة الحياة وملعنتها وَ يغفر لنا ما أَكْرَهْتَنا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ إذ كنا نعرف أنه باطل معرفة ما بحق ثعبان العصى وَاللَّهُ خَيْرٌ منك وأنت الشر كله وَأَبْقى منك إذ تفنى بل أنت فان الآن . 74 - إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً قطعا لثمرات الحياة قبل إيناعها ، عصيانا للّه فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ في الأخرى لا يَمُوتُ فِيها تخلفا عما يستحق من العذاب وَلا يَحْيى مستفيدا منها ، مهما يموت مع موت النار ، وقد تشير " فيها " أنهم احياء ما دامت النار ، وموتهما معا أو بعد النار ليس موتا فيها ، وعلى الجملة لعذابهم نهاية كما كان لإجرامهم . 75 - وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً في الأخرى و قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ كلها فَأُولئِكَ الأكارم لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى ثم من بينهما هم عوان بينهما . 76 - وهي جَنَّاتُ عَدْنٍ روحيا وجسميا ، باقية " عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ " فإنها من فضل اللّه الذي لا نهاية له تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا تحت شجراتها الملتفة المتلفقة الْأَنْهارُ ماء ولبنا وعسلا مصفّى خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ العظيم هو جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى في الحياة الدنيا " عَطاءً حِساباً " و " مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها " " وَلَدَيْنا مَزِيدٌ " .